الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

87

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

مواضعها ، وتنزيلها منزلة ومرتبة البسيط مقدمة على المركب ، فتقدمه بالوجود وضع له في محله . فإن الكليات أشرف من الجزئيات الداثرة والفانية ، فإن قاعدة الإمكان الأشرف تقتضي أن تكون الكليات وجودها متقدما على الجزئيات فتأمل ، وأيضا فإن الحكمة الإلهية المقتضية لإبداع الأشياء إنما تتخصص متدرجة . وبعبارة أخرى إنما تبدع الأشياء وتفرزها بالحصص الوجودي متدرجة ، فلا يتعلق أولا بالماديات المركبة والجزئيات ، ألا ترى أن صفة الجود في الجواد منا إنما تقتضي الإنفاق والإعطاء الكلي ؟ فلو كنّا قادرين على أن نوجده على صفته الكلية لأوجدناه كذلك ، وكانت تلك الصفة كافية في صدور ذلك الكلي منّا من دون حاجة إلى ضم أمر آخر . وأما الإنفاق على زيد بطريق جزئي ، فلا يكفي تلك الصفة في صدوره ، بل لا بد من خصوصيات تنضم إليه توجب تحصيل تلك الطبيعة في ضمن ذلك الفرد من أدوات متعلق بزيد ، وبأنه مستحق للإنفاق عليه ، وبالشيء الذي ينفق عليه ، وغير ذلك ، وحينئذ فالجواد المطلق القادر على جميع الأشياء ينبغي أن يكون صدور الكليات عنه مع قدرته مقدما على صدور الجزئيات ، وقد قال الله سبحانه : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم 15 : 21 ( 1 ) ولا نريد بالكلي هنا المفهوم الذهني ، الذي يمتنع عروض الوجود العيني له ، إذ الكلي إذا جاء في ظرف الخارج يصير فردا ، بل أمرا آخر يحاكيه المفهوم الكلي الذهني وهو عنوان له . وحينئذ فيشبه أن يكون لكل آية مراتب من حيث المدلول بحسب عوالم مفاده ، فإن القرآن حكاية عن الأفعال والأحكام الإلهية ، وفيه تبيان كل شيء ، وحينئذ فلا يبعد أن تكون حكاية القرآن عن كل واقعة على نحو ينطبق على جميع

--> ( 1 ) الحجر : 21 . .